عشرون عاماً تركتُها خلفي ، أو هي من تركتني مُرغَمة ,
لم أكن أنوي والله مُفارقتها ، لكن الأعمار لا شأن لها بالنوايا ..
ياالله ، كم كنتُ أفكّر كثيراً في هذه اللحظات التي سأتجاوز بها العشرين ،
وكيف ستكون حياتي بعدها ؟ هل الأمر طبيعي جداً ؟ أم أنها ستتغيّر كثيراً .
أحاسيسي كانت مؤمنة بأنه مع كل مرحلة جديدة عُمرية ، يولد شخص آخر ،
يظهر من داخلك إنسان –مختلف- مُتشكِّلاً بك.
هكذا كنتُ أعتقد ، لكنّي وجدتُ الآن بأن كل هذه مجرد تخيُّلات ، وأننا كما نحنُ منذُ صرختنا الأولى ,
فقط تتغير أفكارنا ، نظرتنا لأنفسنا ، علاقاتنا ، وصفاتنا ، وذات الإنسان الداخلي يُعايش كل هذه التغييرات .
أنا اليوم ولله الحمد والمِنّة أشعر بقبول و رضا تام عن نفسي ،
أفتخِر بذاتي كثيراً ، وأحِبّها أكثر من ذلك .
حاولتُ تربية نفسي على بعض الأمور ، ونجحت بعض الشيء ، وأعتبرهُ إنجازاً عظيماً في حقي .
إلى الآن لم أفلح في معرفة كيف يُكافِئ الإنسان نفسه ،
وأعتقد بأنها أساساً سياسة لا تتفق معي أبداً ، فأنا مع نفسي حازمة جداً ،
ولذلك أبتعد عن عقوبتي أو مكافئتي ، خوفاً من أن أقسو عليّ أو أدللني كثيراً .
ولازلتُ على غير اتفاق مع ( النظام ) ، وهذا الأمر كذلك سأصرف النظرعنه تماماً ،
لأني لاأرتاح لوجود أمر يعيقني وهو مايسميه بعضهم " نظام " ،
أنا المسؤولة في حياتي ولست بحاجة إلى ورقة وقلم أرتّب بها أموري , وأجبرها عليها .
بالرغم من ذلك فأنا أحترم المواعيد تماماً , وأحبّ هذا الأمر فيني وأتمنى استمراره ،
ويزعجني كثيراً جداً من لا يحترم مواعيده ، ويتأخر دقيقة واحدة ،
فكلّها إخلاف للوعد طال الوقت أو قصُر .
أمورٌ تشعِرني بأني كبيرة جداً ، وأمور تجعلني أشعر بطفولتي التي أشتاق إليها .
وبين هذه وتلك فأنا لم أُراهِق ( بالمعنى السلوكي ) ولله الحمد ،
وأتخوّف من أنْ أصاب بها متأخرة لا سمَحَ الله .
أفرح إن قال لي أحدهم أني كالطفلة ، ويقول آخرون بأني أكبر من سنّي ،
وهذا التناقض في صالحي بلا شك ، إذ أنه يمنحني ثقة أكبر وشعور بأنّي معتدلة في تصرّفاتي .
قبل العشرين ، كنتُ أُمنِّي نفسي بأنني بعد العشرين سوف أُنجز أمراً عظيماً ,
ومنذ دخلتُ العشرين وهذه الفكرة تدور في رأسي وترهقني دائماً ،
وأشعُر بِثِقلِها على عاتقي ، المشكلة في أنني لم أحدد نوع هذا الإنجاز
لذلك لا أزال تائِهة بهذا الهاجس ، الذي أتمنى اليوم أنه لم يخطُر على بالي قبل ذلك .
في العشرين ، شعرتُ بأني أكثر نضجاً ، وفعلاً أصبحتُ كذلك ،
ربما لم أعُد مسؤولة كما ينبغي ، وكسولة كثيراً في أعمال المنزل ،
وغالب الأحيان تقول لي أمي ( ما منّك فايدة ، إن كنتُ نائمة من أثر السهر ) !!
أصبحتُ أتوتّر من الإزعاج ، وبالأخص إزعاج الأطفال ومُشاغباتهم التي لا تُطاق
( كنتُ أهوى اللعب مع الأطفال وأنا أصغر سناً ولا أملّ من ذلك ،
ولا أعرف ماالذي حصل وانقلب الحال ! ) ،
عصبيَّتي ازدادت جداً ، ولاأستطيع السيطرة عليها ، وأخاف أن تظهر لي التجاعيد مبكّراً ، رغم أني أضحك كثيــراً .
هناك مشكلة أحاول حلّها اليوم ، وأتمنى أن يكن لها حل أساساً ،
فأنا أكتب بطلاقة أكثر مم أتحدّث ، وأشعر بارتياح أكثر في الكتابة من الكلام ،
ويبدو لي ومن تشخيصي أنّها تحتاج إلى مُمارسة فقط .
بين نفسي ونفسي أحب أن أتحدّث بكل شيء ،
وأتحسّر كثيراً لعدم وجود ورقة وقلم بجانبي أُفرّغ بها تراشُقات أفكاري .
عندما أتحدّث عن نفسي خاصةً لايوقفني شيء ،
فأنا (هذّارة ) بعض الأحيان ، وأحتاج دائماً لمن أتحدّث إليه ويتفهّم حديثي ويوافقني تفكيري فلا أجد ،
وخير مستمع لي هو دفتر اتخذته منصتاً لي ، وهو خير مافعلت .
يقولون لي صديقاتي بأني ( مُتفلسِفة ) حينما أُسهِب في موضوعٍ ما ،
ولاتزعجني هذه الكلمة أبداً ، فأنا أتشرّف بأن آخذ من حكمة الفلاسفة ،
لكن المقصد العام من هذه الكلمة غير ذلك أعلم .وأحبها رغم ذلك .
سأكتفي هُنا .















